محمد كرد علي

306

خطط الشام

ألفاظ التكريم عن عهد الترك وهي آخذة بالزوال ، وبقدر ما يكثر سواد المتعلمين يقل سواد المداهنين والمرائين ، على ما يقلّ المخرفون والمعتقدون . فقد كان بعض الناس يعتقدون بالفال والمندل والكيمياء والأحلام والكشف ، فقلّ اليوم من يلتفتون إلى هذه المسائل ، وخفت وطأتها حتى من القرى البعيدة . والمنورون من الناس قسمان : قسم وقف عند حدود الشرع واكتفى بأوامره ونواهيه ، وآخر نزع ربقة الدين ولكن في سره دون الجهر من القول . وبعض العادات لا تقوى على نزعها إلا الأيام الطويلة والنشوء السريع ، وهذا متعذر الآن لتعذر نشر التعليم الإجباري في الشعب ، فقد كان النساء إلى عهد قريب في الأحياء البعيدة عن مدينة حلب يخرجن في الجنائز مسخمات وجوههن مخمشات لها لابسات ثياب الحداد ، باكيات مولولات منتحبات ، وهذا من عادات الجاهلية التي منعها الإسلام . وأول المسؤولين عن إقرار مثل هذه العادات المشايخ والوعاظ وأرباب الصحف . وقل أن رأينا من المشايخ والوعاظ من يتعرض لإنكار مثل هذه البدع والعادات الضارة . أما الصحف فعلى كثرة ما نشرت من الأنوار في طبقات مخصوصة من الناس فقد بقيت في ناحية من النواحي مقصرة كل التقصير ، وهو البحث في العادات المضرة والأخلاق الساقطة . وإنا ليحزننا أن كان في الصحافيين أناس لا يزيدون المجتمع إلا فسادا فوق فساده ، لأنهم يلقنون العامة الكذب والخديعة والملق ، ويدعون أن قراءهم لا يرضون منهم إلا بهذه الطرق . ولكننا على يقين من أنهم هم يبيعون من قرائهم ما يتفق مع مصلحة جيوبهم وأكياسهم . كان التدجيل إلى عهد قريب من خصائص بعض مشايخ الطرق فذهبت الآن ريحهم أو كادت وخلفهم هذا الضرب من الناس . يمكن إرجاع أهم صفات الناس في هذا القطر إلى مادتين أصليتين « الوفاء والكرم » ولا تزال هاتان الصفتان ماثلتين في معظم الشاميين على كثرة ما اعتور مجتمعهم من تبديل وتعديل . وتجد هاتين المزيتين على أتمهما في كثير من أهل الطبقات الوسطى والدنيا ، يقومون عليهما غالبا من دون أن يتوقعوا عنهما أجرا سماويا أو مظهرا دنيويا . أما الطبقة العليا فمن النادر أن يكون فيها الوفاء والكرم ، وإن وفت فلأمر ما تفي ، أو تكارمت فلغرض